قصة قصيرة بعنوان"لا يهم"
• لا يَهُمْ
.
.
في إحدى عصور الزمان الغير معلومة، بِمكانٍ مُظلم ليس بشبيه له في عالمنا، رَجُل بِمنتصف عِقْدهُ الثاني من عُمرِه واقفٍ بِمنتصف غُرفة ليست بِكبيرة، خالية من كل شيء، تحرك بأقدامِه الركيكة إلى النهاية اليُمنى لهذه الغرفة، تحرك بِبطءٍ كأنه لمْ يتحرك منذُ أعوامٍ، وقف بإحدى زوايا هذه الغرفة مُعطيًا ظهرِه للجدار ثم بِكل بُطء سَحِب جسده للأسفل ثم ضَمّ قدميه لصدرِه، في حين يدهِ اليُمنى اتكأت على شيء في الأرض فحملهُ ووجهه للنور الطفيف الذي يأتي من شُرفة هذه الغرفة اليائسة، فتفاجأ بأنه كتاب، غُلافِه بطابِع أثري وعِنوانه واضحٍ لديه، قرأهُ بِصوتٍ هادىءٍ:
- لا يَهُمْ.
ظهر على ملامحِه التعجُب، قرر بداخلِه أن يفتحهُ ويكتشف ما بهِ، ثم فتحهُ بالفعل وتدرجت الصفحات بين يديه حتى أوقفه عنوان صفحة ٣١ بِاسم " صراع الحياة " ثم بدأ نظرهُ يأتي على حروف تِلك الصفحة ويقرأ بأعيُنه من أول السَطر، والذي يَكِن بهِ:
كرامة أم هباء؟ خَزل أم وفاء؟ بعيد أم قريب؟ صدق أم كَذِب؟ حياة أم موت؟ خَير أم شر؟ أقصد أم لا أقصد؟ يَهُم أم لا يَهُم؟
أجمعها مُقارانات بين شيء وضِدهْ، أقوال لا أفعال، سلاح ذو حدين، نعم سلاح ذو حدين فَكُنتُ لا أفهم مقصد صديقي عندما قالها أيّ في يومٍ ما..
.
.
في يوم أولهُ ضبابٌ أسوَد، داخل مَنزل يحلُّ بهِ كُلُ الحزنُ الذي بالعالم ودموعٌ جَفتْ من كَثرت ما نُزِلت، جاء ليّ صديقي المُقرّب، وجَدني في حالتي هذه، فاقترب عليّ قليلًا وجلس بجانبي مُطببًا بيديه أعلى كَتفيّ بِرفق، قائلًا:
لا شيء في هذه الحياة يستحق مِنك حالتَك هذه يا صديق عُمري.
فقولتُ لهُ في ضعفٍ وحزنٍ: ليس بِقصدٍ منيّ بل رأفتًا بما أنا فيهِ الآن.
فقال بِهدوء: بل تَقصد.
فتعجبتُ من قولهِ، قائلًا: بِما تَقصِد؟
فنظر ليّ بِحكمةٍ، قائلًا: أنَّكَ بالفعِل تَقصِد، تَقصِد أن تجعل نَفسك هكذا، أوهمك عقلك الباطن بالحزن على فُراقهِم وأشغفك قلبك بِالبُهتان لنَفسِك.
سَكِتُ قليلًا حتى أُعيد بِرأسي ما قالهُ، فأكمل حديثهُ، قائلًا: لا تحزن يا رفيقي، نعم لا تَحزَن بشيء يذوبُ بِيدك ذوبًا، هُم مَن تركوك لا أنت، هُم مَن خسروا كل شيءٍ رائعٍ بِك، هُم يا عزيزي لا أنت، الحُزنُ يُطفء رَوحك وحالَك، ردد معيّ، أنّ لا يَهُم شيءٌ سُواي.
..
والآن أرددها للجميع "لا يَهُم شيءٌ سُواك" تذكر هذا دائمًا.
أغلق الكِتاب بِرفق وأعلى شفتيه بالتدريجٍ ارتسمت ابتسامة برّاقة تغزو وجهُ، شَعِرْ بِشعور الإيجابية بِوچدانُه، ثم وقف بِنشاطٍ على غَير العادة منذُ زمنْ، اِتجه لِباب هذه الغُرفة البائسة وبِكُل قوةٍ وإيجابية بداخلِه فَتِح هذا الباب بعد عدة مرات من محولات فشلت منهُ في الماضي، فُتِح الباب الآن لإجابيتهُ العالية وابتسامتهُ الواسعِة وعينيه اللامعتين، أطلق نَظرهُ للعَنان، تَنفَس بِرفقٍ وراحةٍ، أطلق لنَفسهُ السلام وفي ذات اللحظة خُرج كل شيء حزين من داخلِه، هذه المرة أخذ القرار بِيُسرٍ، خَرَج للعالم المُنير وبِكل انتصارٍ نظر خلفهُ على غرفته البائسة التي بُعدَت بِأميالٍ عنهُ، اليومُ عيدهُ، فقد كَسِت راحتُه، فهو على مبدىءٍ أنَّ لا يَهُم شيءٌ سواه.
~ وسام ناجي "آليّك"
تعليقات
إرسال تعليق
ننتظر آراؤكم بلهفة كبيرة💜